من أحكام الأعراض عند المتكلمين - في شَرح عبارة للجويني
من أحكام الأعراض عند المتكلمين
شرح عبارة للجويني (ت. 478 هـ/1085م)
(تنبيه: كل كلمة بلونٍ أزرق تحتوي على رابطٍ عند الضغط عليها)
____
جامعة عبد المالك السعدي - تطوان
لن يكونَ الحديث، هنا، عن أحكام الأعراض بالصورة التِي تناقلها متأخرو علماء الكلام الأشعريّ وفقًا لـ: لوح المقولات الأرسطية للأنطولوجيا –كما نجده في المدونات المنطقية والميتافيزيقية الكلاسيكية-؛ إذ من المسلم -على الأقل عند قارئنا- أن الاحتكاك وتلقِي المدونة الفلسفية –في صورتها العربية- لم يبلغ بعدُ مداه في الحقب الكلاسيكية من تاريخ علم الكلام، كما أن المتكلمين، حينها، لم يأخذوا ذاك التعريفَ المشهور للعرض: «هو الموجود في موضوع».
سنأخذ نموذجا دقيقا لحكم من أحكام الأعراض كما يقدمه المتكلم الأشعري المرموق أبو المعالي الجويني (ت. 478 هـ/1085م) محاولين شرحه شرحًا يقع موقع الإجمال والتفصيل معًا –باختلاف الجهة-، ويتعلق الأمر، هنا، بكونِ «الاتصال» بالنسبَة لـ: «الأعراض» محالا عقلاً. ولن يخرج عرضنا هذَا عن غرض التدوين العامّ، كما أنه سيكتفي بالإحالات الضمنية غير المحددة والتي لا تخفَى على المتخصصين. ولأسباب ذاتية وموضعية تتعلق بمفتوحية النّشر وطبيعة التدوين لن نحيلَ إلا على مصدرين لإمام الحرمين، وسنطوي الكلام طيًّا، راجين أنْ يعودَ القارئ لفصول «الإدراك» (الإرشاد: 209-217) من «من باب القول فيما يجوز على الله تعالى» (الإرشاد: 209) من كتاب الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد لأبي المعالي، وذلك حتى يستوعب سياق المادة المكتوبة. ولعلّ ما يلفيه القارئ، أدناه، يصلح، ولو جزئيّا، لأن يكونَ طرفًا من محاضرة موسَّعة حولَ الأبنية النسقية في علم الكلام. ويحسن أن ننبه إلى أنَّنا في عرض المسائل لم نكن مستصحبين لمذاهب اللاحقين من المتكلمين لما بعد الفترة الكلاسيكية.
· مُجتزأ من نصّ الجويني:
«ومما يصعب موقعه عليهم أن نقول: لئن كان الجوهر يُرى لاتصال الشعاع به، فما بال لونه يُرى وهو عرض، وقد رُئي، ولا يجوز الاتصال بالأعراض» (الإرشاد: 212 سـ 17، 18. ويمكن قراءة سياق العبارة في: الإرشاد: 209؛ 213).
· الإحالات المرجعية:
الإرشاد = الإرشاد إلى قواطع الأدلة في أصول الاعتقاد. تحقيق: محمد يوسف إدريس وبهاء أحمد الخلايلة (الأردن: دار النور المبين، طـ1 2016).
الشامل = الشامل في أصول الدين. تحقيق: علي سامي النشار وآخرون (الإسكندرية: منشأة المعارف، طـ1 1969).
(I)
1. ابتداء فإن العرضَ هو «المعنى القائم بالجوهر» الذي يقع مقابلا له -ليس على نحو التقابل الاصطلاحي المفيد للتعاند- في تحليل الوجود «الحادث» (الإرشاد: 72، الشامل: 140)؛ حيث يفسّر الجوهر، وفق أحد المعاني المقترحة، بـ«القائم بنفسِه» فالجواهر محالٌّ للأعراض الحالة فيها (الإرشاد: 89 سـ 6) [راجع: الاستطراد التالي]. وقد كان من عادة المتكلمين، كما الجويني، تقسيم أنحاء الكلام في جنسي الموجود الحادث؛ بحيث يقع الكلام في أحكامهما الكلية، ثم أحكامهما الجزئية التي تخص نوعا نوعًا مما تحتهما، وهذا إنما يقع في الأعراض لا في الجواهر غالبًا؛ لأنّا نستثني بعض المقالات الكلامية المخالفة للجمهور في هذه القضية، ذلك أن الجواهر «تتجانس»، وتقع على حقيقة واحدةٍ لا يُتصور لها اختلاف عند جمهور المتكلمين من الأشعرية والمعتزلة بخلاف الأعراض التي يستقلّ كل نوعٍ منها بأحكامٍ مباينة.
2. في كتاب الإرشاد، وعند حديث أبي المعالي الجويني عن طبيعة «الشّعاع» الذي ينبعث من حاسة العين (=جسم على «بنية» مخصوصة) ويكون سببا في الرؤية والإدراك -كما يحكي عن المعتزلة-؛ يرى الجويني أنّا عند افتراض كون الشعاع «متصلا» بالمدرَك الموجود الذي هو، في أحد افتراضين، عرضٌ؛ يلزمُ «الاتصال» في الأعراض وهو «محال» بالنسبة لـها (الإرشاد: 211، 212 سـ 17، 18). ولا يبين الجويني وجه الإحالة والامتناع، وإنّما يكتفي بها مسلّمة. وهنا؛ كما يحكي الجويني عن المعتزلة، يعدّ «الشعاع» جسْمًا منبعثًا من العَين يلاقِي المدرَك –بفتح الراء- فتقع الرؤية والإدراك (الإرشاد: 212 سـ 1).
3. قد تذهب بنا التحليلات في أنحاءٍ عديدة عند محاولة تفسير معنَى «الاتصال» الذي يقصده صاحب الإرشاد، ويصرّح بكونه محالَ الوقوعِ عقلا دون أن يوضحَ أيّا من المستويين. والحقيقة أنّ الأمرين معًا، نعني معنى «الاتصال» ووجهَ كونِه محالاً بالنسبة لـ: الأعراض؛ يحتاج إلى بيان من قِبله، لكن ربما طغى على أبي المعالي الركون إلى الاجتزاء والاختصار ممّا جعل الأمرَ مطويًّا غير مبسوط، وهو ما سيكونُ محلاًّ للبحث والتوضيح المحتشم من قِبل بعض شرَّاح الكتاب في الحقب الوسيطة من تاريخ الفكر الأشعري.
4. لكنْ، قبْلَ الحديث عن هذا الأمر بنوعٍ من التفصيل؛ ثمة افتراضان يذكرهما الجويني للاتصال أثناء اعتراضه الجدليّ على حجة المعتَزلة. أوّل هذين الافتراضين أنْ يكون «الاتصال» حاصلا بين «الشُّعاع» الذي هو من جنسِ الأجسام؛ وبين مدرََكٍ –بفتح الراءِ- راجعٍ إلى أصلها الذي تأتلفُ منه؛ أي الجواهر، ولئن «كان الجوهر يُرى لاتصال الشُّعاع به»، وما من بأسٍ في الأمرٍ لحصول الاتصال بين الجواهر هنا؛ «فما بال لونه [=القائم بالجوهر] يُرى وهو عرض (...) ولا يجوز الاتصال بالأعراض» (الإرشاد: 212 سـ 17، 18).
5. بناءً على هذه القراءة يمكن أن نستنتج الاحتمالات التالية في «الاتصال»:
- (1) اتصال جوهر بجوهر أو أجسام بأجسامٍ؛
- (2) اتصال عرضٍ/أعراضٍ بعرضٍ/أعراض؛
- (3) اتصال جوهر/جسم بعَرض.
يستصحب الجويني في حجاجه للمعتزلة جواز «الاتصال» بين الجواهر/الأجسام والذي يمكن تسويغه بناءً على أمور يطويها طيا في حجاجه؛ لكن في مقابل هذا الاحتمال الأوّل تبقى عبارة أبي المعالي مطلقة فيمَا يخصّ الاحتمالين الثاني والثالث؛ لأنهما يشملان «اتصال» العرض مطلقًا سواء اتصاله من نفس جنسه؛ أي العرَض، أو من ملازمه الجوهَر. لذا فإنّا سنكونُ مضطرينَ للنقر في معنَى «الاتصال» حتى نستطيعَ تلـمُّس أيّ الاحتمالين هو المراد تحديدًا، أم أنّ المراد هو مطلق الاتصال بالنسبَة للأعراض -كما هو ظاهر كلام صاحب الإرشاد-؟.
(II)
1. ما «الاتصال»؟ تحيلنَا الدلالات اللغوية لكلمة «وصل» على معنى الالتئَام والضّم مقابل «الفصل» وعدم الانقطاع (تاج العروس: جـ31: 78، 79). وهي معانٍ يمكن حملها على دلالتها اللغوية في كلام الجويني؛ إلاّ أنّها قد لا تتوافق ولا تتطابق، دائمًا، معَ المعاني المتداولة في أوضاع المتكلمين من «التجاور» و«التداخل» و«المماسّة» و«التلاقي» التي عادة ما يشار إليها في قضايا «الجوهر» وأحواله التي تعرض له بسبب أعراضٍ يحملها (=«تقوم به»)، لاسيما إن استحضرنَا النقاشات القوية حول إمكانية تلاقي الجواهر الفردة التقاء التماسّ، وهي قضية دقيقة قويَ البحث فيها من قِبل المتكلمين المتأخرين؛ أو استعرضنَا بعض أحكام الجواهر التِي تعد «مستحيلة» في الرؤية الكلامية كـ«تداخل» الجواهر وكونِ كلِّ جوهر بحيثُ الآخر.
2. من المواضع الهامة التي تساعد على تبيّن معنى «الاتصال»، والتي لها علاقة بما ذكرنا (II: 1)، تنصيص المتكلمين على عرضِ: «الكون» الذي يتنوّع إلى أربعة أنواع: (أ) «الحركة»؛ (ب) و«السكون»؛ (ج) و«الاجتمَاع»؛ (د) و«الافتراق». وهو عرَض بالغ الأهمية في نظريات المتكلمين لـ: الجواهر والأعراض. ولعل أوثق ما يعنينا منها هو عرض «الاجتماع» = التلاقِي، الذي يفيد ’اتصالاً‘ بين جوهرين، على الأقل، بحيث لا يبقَى بينهما حيّزٌ لجوهرٍ ثالثٍ يكُون حيثُ اتصَلاَ. ولا نودّ الدخول في تفاصيل النقاش حول طبيعة الاجتماع بين الجواهر. فلنحمل «الاتصال»، إذن، على معنى المماسّة والتلاقي المقتضيين لـ«التجاور»، وإن كان، في رأينا الخاص، «التجاور» أعمّ من «التلاقي» = «الاجتماع»، وهو تأويلنا الخاص.
3. عند قبولنا لهذا المعنَى سنكون ملزمين بمعرفة أمرين بالغَي الأهمية: (أ) الأمر الأول يخصّ ماهيةَ وحقيقة الجوهر عند المتكلمين، الذين ينصُّون على صفتِه الأساسية والجوهرية (=«الذاتية»/«النفسية» أو التِي تعود إليها) والتي هي «التحيز»؛ أي أن يشغل الجوهر قَدرا معيّنا من الفراغ، هذا دون الحديث، هنا، فيما يراه بعض المتكلمين من تفريق دقيق بين مفهوميْ بين المكان والحيز. وثمة أسئلة جدّ دقيقة فيما يخصّ صفة التحيز متداولة بين المتكلمين، تبدأ من إشكالية كونِ هذه الصفة ذاتية أم أمرًا مغايرًا، على الأقل تعقّلاً، بالنسبة للجواهر؟؛ وتنتهي إلى أمور متشابكة بمسائلة أخرى منها نظرية الأحوال وشيئية المعدومات. وما يعنينا، من كل ذلك، هو أن التّحيز أمر أساسيّ لوجود الجوهر وتحقّقه في «الأعيان»، فالجوهر هو «المتحيّز» إن عرفناه بصفته الذاتية أو لازمها، وما يشغله هو «الحَيزٌ»، ونفس إشغاله ذاك (=«النسبة الإضافية») هو صفةُ «التحيّز». (ب) الأمر الثاني تأكيد المتكلمين على أن عرض «الكون»، الذي تحدثنا عنه قبلُ (II: 2)، يقتضي صفةَ «التحيّز» بالنسبة للموصوفات التِي يحلّها (=«يقوم بها»)، وبالتالي فإن «الاجتماع» الذي فسّرنا «الاتصال» بِه عبارة عن تحيّز معيّن، أو هو نوع من التّحيزِ لجوهرين لا يكون بينهما ثالث (II: 2)، وهذا يعني أنّ صفة «التحيّز» تأخذ دلالتين: (أ) التحيّز العام أو التحيّز من حيث هو؛ (ب) والتحيّز المعيّن أو النَّوعي –إن جازت العبارة-؛ أي ذاك الحاصل على هيئة مخصوصة بالنسبة للمفهوم الأوّل، وإن كان هو أيضا عامّا وكليًّا من حيث المفهوم، وهو أمرٌ يحيل عليه «عرض الكونِ» في كل أقسامه السالفة الذكر (II: 2). وقد ذهب بعض نظار المتكلمين إلى أن الجوهر قد يعرضُ له، في حالةٍ مخصوصة، أن يكونَ متحيّزًا لا متحركًا ولا ساكنًا ولا مجتمعا ولا متفرّقًا؛ فيأخذُ صفةَ الحيّزية دونَ أن يكونَ مَوصوفًا بمعنىً قائم به من أعراض الكون، وفي هذا المقام تفصيل لا يحسن إيراده هنا فليُتجاوز.
4. نعود إلى جنسِ «الأعراض» فنقول إنّ من صفاتها الأساسية أنها تحل في محلٍّ ذي وجودٍ موضوعيّ حقيقيّ (=«قائم بذاته»)، ولا يمكن، بناءً على أدلة أغلب المتكلمين، أنْ يوجد عرضٌ قائم بذاتِه –باستثناء بعض مَدْرَسِيِّـي المعتزلة- وإلا لصار جوهرًا وتداخلت الحقائق، والحال أنّ «انقلاب الأجناس محال» -كما يقول الجويني-، وهذا أحد الأدلة المعيارية في هذه المسألة (الإرشاد: 78، الشامل: 149). فإذا لم يكن للأعراض وجود موضوعيّ فهل يمكنها أن تتحيّزَ؟. لم يفلت هذا التصور الإشكالي عن بال المتكلمين الذينَ حاولوا تفسير طبيعة تبعية الأعراض للجواهر، وإمكانية اتصاف الأعراض بجنس من أعراض أخرى، وغير هذين ومن الإشكالات؛ لكن الأسَاسي، هنا مرة أخرى، هو أن الجواب عن السؤال المذكور سيكونُ بالنفي وهو خلاصة ما انتهى إليه المتكلمون الكلاسيكيون.
5. لنأخذ النفي المذكور (II: 4) مسلّمًا إذن، ولنستصحبْ معه ما سبق أن قلنَاه بأن التحيّز صفة أساسية، بمعنًى ما، بالنسبة للجواهر (II: 3: أ)، ولنستصحب ما قررناه قبلُ أيضا من أساسيةِ التحيّز في عرض «الكونِ» لا بمعنى أنّ «الكون» من حيث عَرضيته يتحيّز، فهذا من المحال كما سبق، عند المتكلمين على الأقل أو عند جمهورهم؛ ولكن بمعنى أنْ أنواع «عرض الكونِ» عبارة اقتضاء لتحيّزاتٍ مخصوصة بالنسبة للجواهر، ومن ثمة نفهم أساسية التحيّز في نوعِ «كون الاجتماع» الذي اقترحنا تفسيره بـ: «الاتصال» (II: 2، 3: ب). وبناءً على هذه المسلمات الأساسية يمكِنُ أن نفهم عَرْضَ إمام الحرمينْ للمسألة المذكورة.
· استطراد: تقدّم لنا أنّ إحدى أهم التفسيرات للجوهر تقتضِي «القيام بالنفسِ» أو «بالذات» بمعنَى وجوده بذاتِه غيرَ مفتقرٍ إلى «محلّ» كالأعراض (I: 1)، والله، أيضا، يوصف بكونِه «قائمًا بنفسِه» بمعنَى عدمَ افتقاره إلى المحلّ حاجةَ الأعراضِ لها -في أهم تفسيرٍ لهذه الصفة أو جزءٍ من تفسيرها الكلامِي-. بناءً على مذهب متأخري الأشعريّة في كونِ «القيام بالنفس/الذات» أمرًا سَلبيًّا من حيث المفهومُ ولا يعطِي دلالة ثبوتية «وجوديّة» أو «ذاتية» كما يذهب أبو المعالي في الإرشاد بنوعِ تلميح؛ فإنّ الاشتراك في المعَاني والمفاهيم السََّّلبية لا يقتضِي وحدةً في الحقيقَة أو تماثُلاً فيها، فكلّ مختلفيْ الحقيقةِ تمامَ الاختلافِ يشتركانِ في كونِ أحدهما غيرَ/ليس الآخر، وهذَا سلبٌ لا يفيدهما التماثلَ.
(III)
1. لم يفسّر الجويني الاتصال، وهو المستوى المفهومي الأول، في المسألة المذكورة (I: 2، 3)؛ فاقترحنا تفسيره بـ: «الاجتماع» (II: 2)، ولم يبيّن الجويني المستوى الحجاجي الذِي صحّح له انتفاء «الاتصال» عن «الأعراض» (I)، وهنا كنا ملزمين ببيان مطوياتِ المسألة على نحوٍ عامِّ (II: 3، 4، 5)؛ ومن ثمة يمكن أن ننتهي إلى المعطى البنائي والنسقي التالي في معرفة وجه استحالة «الاتصال» على «الأعراض».
2. لـمّا عاد مفهومُ الجوهر، وبنحوٍ أساسيّ وصل إلى حدّ الوصف الماهويّ (=«صفات النفس»/«صفات الذات»)؛ لمعنى «التحيّز» (II: 3: أ)، كانَ من الأساسيّ، في المقابل، بناءُ نحوٍ مغايرٍ بالنسبة للأعراض؛ فالأعراض يستحيل عليها «التحيّز»، ومن ثمة يستحيل أن نسند لها عرض «الكونِ» (II: 2، 3: ب) الذي لا يمكن أن يحل فيها (= «يقوم بها») بناءً على «استحالة قيام العرض بالعرض» التي تواطأ على التصريح به الكلاسيكيون من المتكلمين دون غيرهم من اللاحقين؛ وبناء أيضًا على استحالة استقلال الأعراض في الوجود باعتباره أحدَ المفاهيم الأساسية لـ«القيام بالنفس/الذات» والتِي لا يمكن حصولها للأعراض إلا إذا استثنينا استقلالها الثبوتي بين أنواعها أو استقلالها المفهوميّ. ويمكن الاكتفاء بالدليل المعياري المشار إليه أعلاه في الاستحالة العَقليّة لـ«قيام الأعراض بالأعراض» (II: 4) والذي يشير، ولو ضمنيًّا، إلى محاليةِ «قيام العرض بنفسِه»؛ لأن الأمر ينتهي إلى خرق وخرم مبدأ الهويّة الذاتية، منطقيا؛ ومن ثمة مبدأ منعِ التناقض.
3. ويساعدنا على هذا الفهم مجموعة نصوصٍ أساسية ونموذجية مستقاة من كلام الجوينيّ، بعضها يفسّر «الاجتماع» = «الاتصال» بـ«التّضَامّ». يقول أبو المعالي:
«وإن زعم الخصم أن الأعراض لا توجد بحيث عرض واحد، بل يوجد كلّ عرض بحيث نفسه، فلا معنى لاجتماعها، فإنّ كلّ عرض منفرد بنفسه» (الشامل: 149).
ويمكن أن نتلمس دليل أبي المعالي على استحالة هذا «الاجتماع» و«التضامّ» من خلال النصّ التالي الذي جاء فيه قوله:
«وإذا ثبت أن أفرادها [=الأعراض] لا تتحيّز ولا تشغل الأحياز [بناء على استحالة انقلاب الأجناس]، فلا يتصور فيها التضام، إذ إنما يتصور التضام عن موجودين مختصين بحيزين ليس بنهما تقدير حيز آخر لموجود» (الشامل: 149).
سننتهي، بناء على تفسيرنا المقترح، إلى شمول الاستحالة التي صرّح بها الجويني (I: 2، 4) لقسمي الاحتمالين: - (1) اتصال الأعراض بالجواهر؛ - (2) واتصال العرض بالعرض/الأعراض (I: 5) بناء عن أن «التضام» و«الاتصال» = «الاجتماع» لا يمكن أن يكون إلا بين المتحيّزات، وفي الاحتمال الأوّل الجوهر متحيّز فيما الأعراض، من حيث عرضيتها، ليسَتْ كذلك فلا «اتصال» بينهما؛ لأنّ أحد الطرفين لا تتصور فيه الحيّزية، والواقع -مقابل ذلك- «تلازمها» واختصاص الأعراضِ بالجوهر بمعنى «قيامها به»؛ أمّا الاحتمال الثّاني فإنّا نفقد خاصية وصفة «التّحيز» إطلاقًا بالنسبة للأعراضِ فلا يمكن أن نصف عرضًا ما بالنسبة لعرضٍ بكونهما منفصلين أو غير منفصلين لأنهما ليسًا متحيّزين أصلاً، ومن هنا نستنتج أنّ الأعراض تحيل «الاتصال» مطلقا لاستحالة تحيّزها.
بقي، أخيرًا، أن نشيرَ إلى مسألة قد تبدو ذات صلةٍ وثيقة بمسألتنا هذه، ولعلنا نتناولها بكلامٍ في وقت ما؛ وهِي مسألة «استحالة اجتماع المثلين» في كل «عرضين»، كأنْ يحملَ جوهر فردٌ سوادين أو بياضين أو حركتين. وإنا لنعترف بتكدر هذا الاستنتاج بجواز قيام «أعراض مختلفة» بجوهر فردٍ واحد؛ لكن ثمة في المسألة نظر لا تحتمله هذه التدوينة فلنرجئه إلى حينٍ.
.....
ودوّن أصله:
محمّد الرّاضِي - باحث في تاريخ الفكر الإسلامي الوسيط وعلم الكلام،
في كل من مدينتَي: ورزَازَات والبيضاء.
...
تحرير وتنسيق: هيثم المصلوحي - مسؤول أول بالصفحة.

تعليقات
إرسال تعليق