قِراءة تقدِيمية في نشرة المفصّل في شَرح المحصّل


 

قِراءة تقدِيمية في نشرة المفصّل في شَرح المحصّل

تحميل المادة

الكاتبي، نجم الدين. المفَصَّل في شرح المحصّل. تحقيق عبد الجبار أبو سنينة. عمَّان: الأصلين للدراسات والنّشر وكلام للبحوث والإعلام، 2018م. رقم الإيداع القانوني (ISBN): 2-21-690-9957-978 مقـ: 17 × 24. ؟؟ دولارا.

al-Kātibī, Najm ad-Dīn. al-Mufaṣṣal fī Shar al-Muaṣṣal. Edited by ʿAbd al-Jabbār Abu sanīnah (Amman: al-ʾAlayn li-D-dirāsāt wa-n-Nashr-Kalām li-l-buuth wa-n-Nashr, 2018), 2 Vol: 583 + 694 pp. 24 × 17.§ $. ISBN: 978-9957-690-21-2.

نصّ المفَصّل (أو المفضَّل) في شرح المحصّل لعالِم المَنطقِ، والكلام الأشعري، الفيلسوف ذي النزعة السينوية نجم الدّين الكَاتبيّ (ت. 675 هـ/ 1277م)؛ يتناول بالشرحِ النسقي عمل المفكر الأشعري المرموق فخر الدين الرازي (ت. 606 هـ/1209م) المحصّل – كما سيأتي -، وهو وثيقَة مهمَّة للغَاية من وثائِق تاريخ الأشعَرية المتأخرة، كتبَه مؤلفه، وحرّره في رمضانِ سنةِ: 662 هـ/1274م؛ أي في مرحلة علمية ذاتِ شأن من تاريخ علم الكلام الأشعريّ. وقد أفادت جزئيّا من نصّه المخطوط بباريس بعضُ الأبحاث الغربية الرائدة في تاريخ علم الكلام والفلسفة الإسلامية في ثلاثينيات القرن العشرين. وفيما يلي تقديم عامّ للكتاب، وبعض حيثياتِ أصله المشروح، ومحتوياتِه البنائية الأساسية.

• بين المفصّل والمحصّل نشرًا:

طبع عمل نجم الدين الكاتبيّ، مؤخرًا، في مجلدَين ضخمين، وفاخرين إلى حدٍّ ما سنةَ: 2018م عن مؤسستي: الأصلين للدراسات والنّشر، وكلام للبحوث والإعلام؛ وذلك بتحقيق: عبد الجبار أبو سنينة، بمعية ومراجعة: محمد أكرم أبو غوش، وبعض الدارسين كما في تقديم د. سعيد فودة للعمل (ص: 9، 10).

وأُنجزَ التحقيق عن نسخة نفيسةٍ بخطّ المؤلّف (رمز لها بـ’’ص‘‘. مـ 1: 19)، مع نسخٍ أخرى مهمّة تؤرخ لأمُور أخرَى لسنا بصددها الآن. وقد وفّرت، أيضًا، هذه النشرة للدارسين نصّا مضبوطًا لكتاب المحصّل –النص المشروح كما يأتي-، وهو نصّ يتجاوزُ ما سقطت فيه نشرةُ الباحث طه عبد الرؤوف المتداولة والمزدوجة؛ من صعوباتٍ، وأخطاء بيّنة (طبعات سنوات: 1978م؟، دار الكتاب العربي: 1984م، المكتبة الأزهرية: 2015م)؛ حيثُ يمكنُ تصحيحها بإجراء مقارناتٍ موسّعة مع نص المحصّل المثبت في نشرة المفصَّل للكاتبي.

ولستُ أعلم، إلى الآن، مدى الفروق والمطابقات الممكنة بين نشرتيْنا المذكورتين لـ: المحصّل، ونشرتي القاهرة (المطبعة الحسينية المصرية: 1905م)، والدارس التركي: حسين أتاي (مكتبة دار التراث: 1991م) التي أفترض أنّها تجاوزت صعوبات نشرة عبد الرؤوف المزدوجة؛ لأنّي لم أطالعهما بعدُ. وأيّا كانَ فتبقى فائدة طبعة المفصّل التي نحن بصدد الكلام عنها كبيرةً في هذا الجانب، كفائدة نشرة بيروت لـ: التعليقاتِ النقدية للفيلسوفِ والمهندس نصير الدين الطوسي (ت. 672 هـ/1274م) مع بعض مواضع المحصّل، والمنجزة من قبل عبد الله نوراني (نشرت باسم: تلخيص المحصل المعروف بنقد المحصل، عن دار الأضواء: 1980م؟)؛ إذ لم تخلُ مواضع من كلام الطوسي المصاحب لفقراتٍ من نشرة عبد الرؤؤف؛ من تصحيف واضطراب هي الأخرى.

• المفصّل - السياق والبناء:

يأتي عمل نجم الدين الكاتبي المفصّل ضمن أعماله المنطقية والفلسفية، والكلامية المهمة؛ فهو مؤلّف الكتاب المدرسِي ذائع الصّيت، على الإطلاق، في المنطق: الشمسية في القواعد المنطقية، وهو العمل المنطقي المَدرسي الملخّص الذِي كانَ له انتشار وذيوع قويّ للغاية، إلى العصر الحديثِ، في التقاليد المنطقية الإسلامية العربية الوسيطة والحديثة. وإلى جانب عمله المذكور، وبطريقة كتابةِ المختصرات المدرسية، ألّف نجم الدين عملاً مدرسيّا آخر لا يقل أهمية هو الآخر عن عمله المنطقيّ؛ لكن هذه المرة في الفلسفة الميتافيزيقية والطبيعية سمّاه بـ: حكمة العين. وبموازاة تلخيصيه ألّف شرحًا بنحو شامل لـ: كتاب الملخص في المنطق والحكمة لفخر الدين الرازي في المنطق والفلسفة وسَمه بـ: المنصّص في شرح الملخص (ذكر دارسون أن بعضًا من مخطوطاتِه المتوفرة مؤرخ بسنة: 671 هج/19 [9(!)] مارس: 1273م)، ممثلاً، بذلك، صورةً لتفاعلِ المتكلمينَ العقلانيينَ مع التراثِ الفلسفي في القرن السابع الهجري/الثالث عشر الميلادي.

وبالرجوع إلى مؤلَّفِه المعنون بـ: المفصّل في شرح المحصّل؛ فإننا نلفِيه شرحًا تفصيليا، وفنيا، ونسقيا لعمل فخر الدين الرازي المسمى، بعنوان كامل، محصّل أفكار المتقدمين والمتأخرين – من العلماء والحكماء والمتكلمين؛ الذي ألّفه في مرحلةٍ متأخرة من حيَاتِه تعودُ – تقديرا- إلى ما بعد أواسط العَقد التاسع بقليلٍ من القرن السادس الهجري؛ أي بعد سنة: 585 هـ/1189م.

ولا يخفَى مدى الأهميةِ البالغة لعمل فخر الدين الرازي؛ إذ يكفِي معرفة مدى اهتمامِ المتكلمينَ، والفلاسفة، والمناطقة المدرسيين به في التقاليد الفكرية الإسلامية العربية المتأخرة، ومدى احتفائهم به شرحًا، ونقدا، واقتباسًا، وتلخيصا، لا سيما أنّ مؤلِّفه ضمّنه، حسب ما تشي به العبارة الفرعية لعنوانِه؛ آراءَ المتكلمينَ، والفلاسفة في جملةِ القضايا المنطقية، والفلسفية، واللاهوتية وفق طريقة العرض النسقي التي طورت من قِبل فخر الدين.

ويكفي، هنا، أن نذكر عملَ كلّ من: الطوسي النقدي –المذكور سابقًا-، وعمل الفيلسوف اليهودي الكبير ابن كمّونة (ت. 683 هـ/1284م) فوائد من تلخيص المحصّل، واختصار القاضي الحنفيّ ابن التركمانيّ (ت. 749 هـ/1349م) مختصر المحصّل، والعمل التلخيصي والنقدي للمفكر التونسي الشهير ابن خلدون الأشعري (ت. 808 هـ/1406م) لباب المحصّل (نشر سنة: 1952م بتطوان بتحقيق: الأب لوسيانو روبيو)، دون ذكر الشروح التي يقع ضمنها المفصّل؛ والتي تبين مدى احتفاء العلماء بالعملِ موازاةً معَ أعمال أخرى له.

يحوي عمل الكاتبي المفصّل، تبعًا لعمل الرازي المحصّل، شرحًا فنيّا بالغَ الدقة لكلِ فقراتِ المحصّل، على نحوٍ جدليّ واضحٍ في أحيانَ كثيرة. ويبدأ العملان بـ«الركن الأول في المقدمات» ذي الموضوعات المنطقية والاستدلالية، وفقًا للتسلسل العقلاني المفترض للموضوعات (المحصّل: من ص: 25 إلى: 75. المفصَّل: مـ 1: من: 53 إلى: 202)؛ ثم يثنيان بـ«الركن الثاني في تقسيم المعلومات»، وهو الموضعُ الأنطولوجي المهم والجدلي في علم الكلام؛ حيث ينطوي على نقاشاتٍ فلسفية، وطبيعية شمولية ومركزيّة؛ وعليه فإنّ موضعه من العملين يحافظُ على النسق التدرجيّ المتسلسل وفقَ محدد منطقيّ صارم (المحصّل: من ص: 75 إلى: 212. المفصَّل: مـ 1: من: 205 إلى مـ 2: 243).

أمّا الركنان الثالث والرابع فإنهما يناقشان القضايا الكلامية الإلهية والسمعيّة دائمًا بنفس المنهج التراتبيّ؛ حيثُ يتضمن «الركن الثالث» الفحص عن «ذات الله» وأدلة وجودِه، ثم الفحص عن طبيعة صفاتِ الله «السلبية» و «الثبوتية»، وطبيعة «أفعاله وأسمائه»؛ فيما يبحثُ «الركن الرابع» مسَائل «النبوات»، و «المعاد»، و «الإمامة» (المحصّل: من: 213 إلى: 366. المفصَّل: مـ 2: من: 248  إلى: 687). وقَد أظهر العمل نزعة منطقية قويّة من نجم الدين الكاتبي -والأمر ليس مستغربًا-، تنمّ عن تمكنٍ من «الصناعة»، وقدرة على معايرة المسائل بصور الاستدلال المنطقي الأرسطي ذي الثوبِ السينوي.

إنّ ما يمكن ملاحظته، ابتداءً، على النشرة المذكورة لـ: المفصّل في شرح المحصّل؛ هو افتقارها للفهارس الفنيّة التي من شأنها أنْ تذلّل عقباتِ نصّ كلامي حشرَ بكم هائل وكبير جدّا من المصطلحات والقضايا ذات الأوجه الفلسفية، والمنطقية، والدينية، وغيرها من الأمور؛ مما يحيل، على نحو كبير، استفادة غير المتخصصين في هذا الجنس من الكتاباتِ التراثية. وأيّا كانَ فإن حقل الدراسات التاريخية لعلم الكلام، والفلسفة، والمنطق ليستنهض الباحثين من أجل قراءة العمل في وقتٍ نعلم فيه أن بعض الدراسات الاستشراقية الرائدة أفادت جزئيّا منه في ثلاثينيات القرن العشرين.

.....

(مدينون للباحث والشيخ السيد فارس العجمي بسبب توفيره نسخة مصورة من الكتاب بخطّ المؤلِّف في وقتٍ سابق)

محمّد الراضي، باحث في تاريخيّ الفِكر الإسلاميّ الوسيط وعلم الكلام

الدار البيضاء – المملكة المغربية.

تحرير:

هيثم مصلوحيدراسات في علم الكلام

تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

علم الكلام الأشعري مدينٌ لفكر خواجه الطوسي قرابة سبعمائة سنة

عَقَائِدُ السّنوسِيّ واختُلافاتُها عَن العقَائِد الفَلسَفِية المُعَاصِرة فِي المَشْرِق

من أحكام الأعراض عند المتكلمين - في شَرح عبارة للجويني